
















اهلا من يحرس الذاكرة بعد رحيل الحُرّاس .. فهمي الأنصاري: سادن الذاكرة وآخر حراس المكتبة
في القدس، حيث يتشابك الحجر بالوحي، والذاكرة بالوجع، التقيته أول مرة في صيف 1994. كان ذلك في آخر شارع صلاح الدين، غير بعيد عن مكتبة المعهد الأمريكي للآثار. دفعت باب "مكتبة الأنصاري" وأنا أحمل في ذهني صورةً موروثة: ظننته يلبس عمامةً كأجداده سدنة المسجد الأقصى المبارك، أولئك الذين توارثوا مفاتيح المكان كما يتوارث الناس أسماءهم. لكن الرجل الذي نهض لاستقبالي كان بثوبٍ عادي، وابتسامةٍ تشبه القدس حين تصحو على أذان الفجر: حنونة، عميقة، ومثقلة بأسرار لا تُقال.
لم تمضِ دقائق حتى انقلب المشهد رأسًا على عقب. بضع كلماتٍ عن باب فيصل والمدرسة البكرية، فإذا به ينتفض واقفًا: "أنت ابن الأستاذ؟". تبين أن فهمي خليل بدر الأنصاري كان أحد تلاميذ والدي في المدرسة البكرية عام 1952م. يومها أدركت أن الأقدار في القدس لا تمشي اعتباطًا، وأن المدينة تحفظ أبناءها في ذاكرةٍ لا تشيخ. من تلك اللحظة، صار فهمي أقرب الأصدقاء إليّ، وصارت مكتبته بيتي الثاني.
لم يكن فهمي مجرد قيم لمكتبة. كان حارساً للمعنى، وسادنًا للذاكرة المقدسية التي يحاول الغياب أن يبتلعها. باكرًا، أدرك أن تاريخ القدس لا يُكتب بالحبر وحده، بل يُنتشل من غبار المحاكم الشرعية وسجلاتها. فانكبّ على سجلات محكمة القدس الشرعية، يقرأها سِفرًا سِفرًا، ويفهرسها وثيقةً وثيقة. كانت أنامله تمسح الغبار عن أسماء العائلات، وأوقاف الزوايا، وخصومات الجيران على جدارٍ عمره مئات السنين. من هناك، من رائحة الورق العتيق، وُلد فهمي الأنصاري المؤرخ. صار من أكثر الخبراء معرفةً ودراسةً بتاريخ القدس، لا لأنه جمع الشهادات، بل لأنه عاش الوثيقة، واستنشق فيها أنفاس المدينة.
سرعان ما تحوّلت مكتبة الأنصاري من رفوف كتب إلى ديوان للقدس. صارت ملتقى الأدباء والشعراء والمثقفين، ومحرابًا لمن أضناه الحنين. كنا، وكنتُ أحدهم، نتحلق كل مساء حول فهمي في مجالس علمٍ وأدب. نتناقش في تراث القدس آثارها، وعائلاتها التي اقتُلعت من أعشاشها. كانت المكتبة رئةً نتنفس منها هواء المدينة النقي، في زمنٍ يُراد فيه للقدس أن تفقد ذاكرتها.
خرجنا معًا في جولاتٍ ميدانية بين حارات القدس وأزقتها. كنا نوثّق سويًا معالم القدس وتراثها المعماري: نقشًا على قنطرة، أو محرابًا منسيًا في زقاق، أو قبرًا لوليٍّ صالح غطاه النسيان. كان يحدثني عن حارة المغاربة فيتشظى صوته، ويشير إلى باب السلسلة فتلمع في عينه دمعةٌ يكتمها.
اليوم، وبعد رحيل فهمي الأنصاري منذ بضعة سنوات، أُغلقت المكتبة. انطفأت المنارة، وضاع المشروع الفكري الحضاري الذي نذر له عمره. أُغلق الباب الذي كنا ندخله فننسى أننا أيتام مدينة. رحل فهمي، وترك لنا القدس أكثر يُتماً، وأشدّ وحدةً.
مأساة القدس تكمن في محاولة اغتيال ذاكرتها. وهنا يتجلى دور المؤرخين، سَدَنةِ المعنى، الذين يحملون المدينة في صدورهم، وثائقَ لا تُحرق. وقد كان فهمي من هذا الطراز النادر.
سلامٌ على روح فهمي الأنصاري، وسلامٌ على مكتبته التي كانت آخر ما تبقى من ضمير مدينة مستباحة.
وما زلنا نحن، أصدقاءه المؤرخين نحمل في حلوقنا غُصّة السؤال: من يحرس الذاكرة بعد رحيل الحُرّاس؟