
















اهلا غزة... والدرس الذي لا يجوز أن نضيعه بقلم : المهندس غسان جابر بينما ينشغل العالم بإحصاء عدد الشهداء، وحجم الدمار، وما إذا كانت هذه الحرب حققت أهدافها العسكرية أم لا، يمر أمامنا تحول أكبر بكثير قد لا نلتفت إليه بالقدر الكافي. فغزة لم تكشف فقط عن قسوة الحرب، بل كشفت أن العالم دخل مرحلة جديدة، وأن ميزان القوة الذي حكم العلاقات الدولية لعقود طويلة بدأ يتغير بصورة متسارعة. لم تعد القوة تُقاس بعدد الطائرات والدبابات وحدها، بل بقدرة الدول على إنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، وتحويل البيانات إلى قرار، والبحث العلمي إلى قوة وطنية. لقد أثارت التحقيقات التي تناولت استخدام أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في إدارة بنك الأهداف العسكري نقاشًا واسعًا حول مستقبل الحروب ودور التكنولوجيا في صناعة القرار العسكري. وبصرف النظر عن تفاصيل هذا الجدل، فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن المعرفة أصبحت جزءًا من القوة، وأن التكنولوجيا أصبحت عنصرًا أساسيًا في الصراعات الحديثة. لكن السؤال الذي يعنينا نحن ليس ماذا فعل الآخرون، وإنما ماذا تعلمنا نحن؟ هذا هو السؤال الذي يستحق أن يكون محور أي مراجعة وطنية بعد هذه الحرب. فالقضية الفلسطينية لم تكن يومًا قضية تفتقر إلى العدالة، لكنها تعيش في عالم لا تُدار موازين القوة فيه بالعدالة وحدها. فالدول التي تؤثر في السياسة الدولية اليوم لم تصل إلى مكانتها لأنها امتلكت السلاح فقط، وإنما لأنها استثمرت في الإنسان، وفي الجامعة، وفي المختبر، وفي الاقتصاد، وفي المعرفة. وهنا ينبغي أن نتوقف قليلًا. إذا كنا نتحدث عن مرحلة جديدة في تاريخ الصراع، فهل ما زلنا نستخدم الأدوات نفسها التي استخدمناها قبل ثلاثين أو أربعين عامًا؟ وهل يكفي أن ندافع عن روايتنا، أم أننا بحاجة أيضًا إلى امتلاك الأدوات التي تجعل العالم يصغي إليها بلغة العصر؟ إن حماية الرواية الفلسطينية لم تعد مسؤولية السياسي وحده، بل أصبحت مسؤولية الباحث، والمهندس، والمبرمج، والأكاديمي، ورائد الأعمال، والإعلامي، وكل من يستطيع أن يحول المعرفة إلى قيمة مضافة تخدم الإنسان الفلسطيني وقضيته. من هنا، أعتقد أن الوقت قد حان لطرح سؤال مختلف: أين مشروعنا الوطني للمعرفة؟ أين الاستثمار الحقيقي في الجامعات والبحث العلمي؟ أين برامج الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات؟ أين الشركات الناشئة التي تبني اقتصادًا فلسطينيًا أكثر قدرة على الصمود؟ وأين البيئة التي تجعل شبابنا منتجين للتكنولوجيا، لا مستهلكين لها فقط؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل جزء من معركة البقاء. لقد علمتنا تجارب الأمم أن التحرر لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل ببناء عناصر القوة. ومن أهم هذه العناصر في عصرنا: الإنسان، والتعليم، والبحث العلمي، والابتكار. لهذا، فإن إعادة إعمار غزة يجب ألا تقتصر على الحجر، مهما كانت أهميته، بل ينبغي أن تشمل بناء الإنسان أيضًا. فالمباني يمكن إعادة تشييدها خلال سنوات، أما بناء العقول فهو المشروع الذي يحمي الأوطان لعقود. ربما يكون هذا هو الدرس الأكبر الذي ينبغي ألا نضيعه. فبعد كل حرب، تنشغل الشعوب بإعادة بناء ما تهدم، لكن الشعوب التي تصنع مستقبلها هي التي تعيد، في الوقت نفسه، بناء طريقة تفكيرها. إن القرن الحادي والعشرين لن يكون للأمم التي تمتلك أكبر الجيوش فقط، بل للأمم التي تمتلك أفضل الجامعات، وأقوى مراكز الأبحاث، وأكثر البيئات قدرة على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قوة. أما نحن، فإن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل تمتد إلى بناء مشروع وطني يجعل من الإنسان الفلسطيني أغلى استثمار، ومن المعرفة أساسًا للصمود، ومن العلم طريقًا لتعزيز حضور فلسطين في عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة غير مسبوقة. فقد علمتنا غزة درسًا لا يجوز أن نضيعه: أن الدفاع عن الوطن يبدأ بحماية الإنسان، وأن حماية الإنسان تبدأ ببناء عقله. وعندما يصبح العلم مشروعًا وطنيًا، تتحول العدالة من قضية نطالب بها إلى قوة تدافع عن نفسها، وتفرض حضورها، وتكتب مستقبلها بيدها. م. غسان جابر
القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.