
















اهلا الرحمة في المفهوم المسيحي
الأب الدكتور جورج خوري
"إني أطلُب رحمة لا ذَبيحة " (متى 13:9).
الرحمة هي جوهر الإنسانية وأعظم صفات الكمال، فتعدّ الرحمة من أهمّ القيم في المسيحية، وهي في جوهرها تعبير عن محبة الله للإنسان. فالمسيحية تنظر إلى الله على أنّه “إله الرحمة والمحبة”، الذي يفيض حبًّا وغفرانًا وعطفًا على البشر، ويدعو المؤمنين إلى أن يعيشوا هذه الرحمة في حياتهم اليومية تجاه الجميع قائلاً خلال عظته على الجبل: "طُوبى لِلرُّحماء فإنهُم سَيُرحَمون" ( متى 7:5) مؤكدًا أن الرحمة طريق لنيل رحمتة السماوية والأبوية الروحية.
في الكتاب المقدّس، تَظهر الرحمة منذ العهد القديم، حيث يصف الله نفسه بأنّه “رحوم ورؤوف، طويل الأناةِ وكثير الرحمة والوفاء” (خروج 34: 6).
يُظهر العهد القديم رحمة الله المستمرة تجاه شعبه رغم ضعفهم وسقوطهم المتكرر. فقد كان الله يَغفر لهم ويُجَدِّد عَهده معهم كلما تابوا ورجعوا إليه. ومن أبرز الأمثلة:
• رحمة الله لنوح وإنقاذه من الطوفان.
• رحمة الله لشعب إسرائيل وتحريرهم من العبودية في مصر.
• غفران الله للملك داود بعد توبته الصادقة.
وقد شَدَّد الأنبياء على أن الله يُريد الرحمة أكثر من الذبائح الخارجية، كما ورد في سفر هوشع:
"إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً" (هوشع 6: 6). وتعني أن الله يُفضل المحبة، العفو، والأعمال الصالحة النابعة من القلب على مجرد أداء الطقوس أو تقديم القرابين والذبائح بشكل شكلي أو للتظاهر امام الآخر.
أما في العهد الجديد فقد بلغت الرحمة الإلهية ذروتها في تَجَسُّد السيد المسيح بحلول الروح القدس على مريم العذراء وفدائه للبشرية. فقد جاء المسيح ليبحث عن الخطأة ويخلّصهم من الظلمة وعبودية الشيطان، مُعلناً أن رحمة الله تشمل الجميع لان البشرية خُلِقت على صورته ومثاله بالمحبة.
قال الرب يسوع:
"لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (لوقا 19: 10). وهذا يعني بأن المُخَلص يسوع المسيح جاء إلى العالم ليبحث عن الإنسان الذي ابتعد عن الله بسبب الخطيئة، ويعيده إلى شركة الله ويمنحه الخلاص. فهو لا ينتظر أن يعود الخاطئ وحده، بل يبادر إليه بمحبة ورحمة، كما فعل مع زكا العشار، ليقوده إلى التوبة والحياة الجديدة.
ومن أبرز أمثلة الرحمة في حياة السيد الرب يسوع المسيح:
غفرانه للمرأة الزانية قائلاً للكتبة والفريسيين "مَن مِنكم بلا خطيئة فليرجمها" ( يوحنا 2:8) وفي (لوقا 36:7) غَفَر السيد المسيح للمرأة الخاطئة، للأنها أظهرت بتصرفها حبها وتوبتها. يُظهر الإنجيل المقدس هنا غفران الخطايا في قصتين رئيسيتين تؤكدان على قوة التوبة، الإيمان، وقبول الله لكل تائب مهما كانت خطاياه، فهذه هي قمة المحبة الإلهية والرحمة التي تتجاوز الأحكام البشرية.
1. شفاؤه للمرضى والعميان والمقعدين. ( مثلاً في متى 8 و 9 و 15).
2. قبوله للعشارين والخطأة.
3. مثل "الابن الضال" أو الإبن الشاطر الذي يُبرز رحمة الآب اللامحدودة.(لوقا 11:15).
4. مثل “السامري الصالح” أو السامري الرحيم الذي يوضح أنّ الرحمة لا تقتصر على المشاعر، بل تتجسّد في العمل والمساعدة وخدمة المحتاج دون تمييزحتى لو كان العدو. (لوقا 25:10).
5. صلاته على الصليب ":يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لوقا 23:34).
وفي العهد الجديد كذلك، تجلّت الرحمة بأسمى صورها في شخص المُخلِّص يسوع المسيح، الذي اقترب من المرضى والفقراء والخطأة والمهمّشين، وشفى المرضى، وغفر للخطأة، وعلّم الناس أن يحبّوا أعداءهم ويغفروا لمن يسيء إليهم.
اِرْحَمْنِي يَا ٱللهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ. حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ ٱمْحُ مَعَاصِيَّ. ٱغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي، وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي "اَلْمَزَامِيرُ ٥١:١-٢".
في الحياة المسيحية، تتجلّى الرحمة عمليا وفعليا من خلال:
مساعدة الفقراء والمحتاجين.زيارة المرضى والمسنّين. التسامح والغفران. التعاطف مع المتألّمين. دعم الضعفاء والمظلومين.
وتعتبر الكنيسة أن الرحمة ليست مجرد فضيلة إنسانية، بل دعوة إلهية تجعل الإنسان يشبه الله في محبته وعطفه. لذلك، تشجّع المسيحية المؤمنين على ممارسة “أعمال الرحمة” الروحية والجسدية، مثل إطعام الجائع، وتعزية الحزين، وإرشاد الضال، ومسامحة المسيء. ومحبة الاعداء والصلاة مِن اجل المُطهيدين.
الرحمة في تعليم الكنيسة:
تُعلِّم الكنيسة أن المؤمن مدعوّ إلى الاقتداء برحمة الله في حياته اليومية. لذلك ترتبط الرحمة بالمحبة والعدل والغفران وخدمة المحتاجين.
قال السيد المسيح رب السلام والرحمة والمحبة:
"كُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ" (لوقا 6: 36). تعني هذه الآية انه يدعو المؤمنين إلى أن يعكسوا رحمة الله في حياتهم، فيغفروا للمسيئين، ويشفقوا على المحتاجين، ويعاملوا الجميع بالمحبة واللطف دون تمييز. فالرحمة كما ذكرنا سابقا ليست مجرد شعور، بل أسلوب حياة يُظهر صورة الله في الإنسان.
وتُقسم أعمال الرحمة في التقليد المسيحي إلى:
أولاً: أعمال الرحمة الجسدية:
إطعام الجياع . سقي العطاش. إيواء الغرباء. كساء العراة. زيارة المرضى. زيارة المسجونين. مساعدة الأرامل. العناية بليتم ودفن الموتى.
ثانياً: أعمال الرحمة الروحية:
إرشاد الجاهلين. تعليم غير العارفين. نصح المترددين. تعزية الحزانى. احتمال الإساءات بصبر. مسامحة المسيئين. الصلاة من أجل الأحياء والأموات.
الرحمة والعدالة
في الفكر المسيحي لا تتعارض الرحمة مع العدالة ، بل تكملها. فالعدالة تعطي كل إنسان حقه، أما الرحمة فتتجاوز الاستحقاق لتمنح الغفران والمحبة. وقد التقت العدالة والرحمة معاً في سرّ الفداء، حيث أظهر الله عدالته ورحمته في آن واحد من خلال موت المسيح وقيامته، مِن أجل خلاص البشرية ونَشْر روح المحبة والأخوة بين الناس.
الرحمة الإلهية في الروحانية المسيحية
تحتل الرحمة الإلهية مكانة خاصة في الروحانية المسيحية، وخاصة من خلال تكريم "الرحمة الإلهية" الذي انتشر في الكنيسة الكاثوليكية بفضل رؤى القديسة فوستينا كوفالسكا، والتي أكدت على ثقة المؤمن اللامحدودة برحمة الله. فالرحمة الإلهية هي قلب الحياة المسيحية، لأنها تكشف محبة الله، وتدعو الإنسان إلى التوبة، وتمنحه الرجاء، وتحثه على أن يكون أداة رحمة وسلام في العالم.
الخاتمة:
الرحمة في العقيدة المسيحية ليست مجرد فضيلة أخلاقية، بل هي إعلان عن طبيعة الله نفسه. فالله غنيّ بالرحمة الأبوية، يدعو الإنسان إلى التوبة والمصالحة والمحبة. وكلما اختبر المؤمن رحمة الله في حياته، أصبح أكثر قدرة على نقل هذه الرحمة إلى الآخرين، فيساهم في بناء عالم تسوده المحبة والسلام والغفران. قال الرسول يعقوب:
"الرَّحْمَةُ تَفْتَخِرُ عَلَى الْحُكْمِ" (يعقوب 2: 13).
وهكذا تبقى الرحمة قلب الرسالة المسيحية وروحها، والطريق الذي يقود الإنسان إلى الله وإلى أخيه الإنسان. فالرحمة في المسيحية ليست فكرة نظرية، بل أسلوب حياة يُظهر حضور الله في العالم من خلال المحبة والخدمة والغفران. والتسامح وعدم إدانة الآخر " لا تَدينوا حتى لا تُدانوا. فإنكُم كما تَدينون تُدانون" (متى (1:7. وفي أيامنا حيث تزداد فيه النزاعات والانقسامات والمعاناة الإنسانية، تبقى الرحمة المسيحية قوةً قادرةً على شفاء الجراح، وبناء الجسور بين البشر، وإحياء الرجاء في القلوب. فهي ليست مجرد شعور بالعطف، بل إلتزام عملي يُترجم إلى خدمة وتضحية ومغفرة، ويقود الإنسان إلى الاتحاد بالله وإلى بِناء مجتمع تسوده المحبة والكرامة والسلام.
وهكذا، تبقى الرحمة جوهر الحياة المسيحية، والطريق الذي يقود الإنسان إلى القداسة، لأنها تعكس وجه الله الذي «غنيٌّ في الرحمة»، وتُظهر للعالم أن المحبة الإلهية أقوى من الخطيئة، وأن الرجاء أقوى من اليأس.