
















اهلا
التوتر الإسرائيلي-الأمريكي بصدد لبنان ودور سوريا
أمير مخول، مركز تقدم للسياسات – لندن
أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة حول توقعه دوراً سورياً في لبنان، واعتباره أن نظام أحمد الشرع هو الجهة الأفضل لمحاربة حزب الله، مخاوف كبيرة في إسرائيل على المستويين الأمني والسياسي. ولم يقتصر الأمر على التصريحات، بل تحول إلى ضغوط أمريكية فعلية على سوريا للقيام بهذا الدور، معتبرة إياه أكثر نجاعة من إسرائيل. وقد سبق أن هاجم ترامب سياسة نتنياهو بسبب حجم الدمار الهائل وغير المبرر، وفقاً له، الذي تسببت به العمليات الإسرائيلية في لبنان.
من جهته، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى اجتماع أمني-سياسي خاص لمناقشة الملف السوري وعلاقته بلبنان، وذلك يوم الأربعاء 24 يونيو 2026. ورغم أنه لا يُتوقع نشر نتائج الاجتماع، فإن انعقاده يشير إلى مدى الاهتمام الإسرائيلي بالموقف الأمريكي، سواء من باب القلق أم من باب استكشاف الفرص.
في القراءة:
بعد تدميرها للجيش السوري وترسانته العسكرية عقب سقوط نظام بشار الأسد، والسيطرة على مناطق شاسعة في الجنوب السوري، سعت إسرائيل خلال العامين 2024 و2025 إلى دفع نظام الشرع للقيام بدور وظيفي يخدم سياساتها الإقليمية، والتي بلغت ذروة إنجازاتها العسكرية في حرب الـ 12 يوماً، أو عملية "الأسد الصاعد"، ضد إيران ابتداءً من 19 يونيو 2025.
بنت الدوائر الإسرائيلية هذه السياسة على عدة اعتبارات؛ أولها الإبقاء على ضم الجولان المحتل منذ 1967، واعتبار السيطرة الإسرائيلية على مناطق سورية شاسعة منذ 2024 بمثابة أمر واقع غير محدود الأجل؛ وثانيها اعتبار لبنان دولة يمكن تفكيكها، ومقايضة المطالب السورية بشأن الاحتلال الإسرائيلي الواسع في سوريا بإتاحة المجال لدمشق بالسيطرة على مدينة طرابلس في الشمال اللبناني، بالإضافة إلى "مناطق سنية" أخرى محاذية للحدود مع سوريا، تشكل منطقة فاصلة بين أي تواصل بين إيران وحزب الله، وتفرض حصاراً على الأخير، كما أشار موقع i24 بتاريخ 3 يونيو 2025. في المقابل، تقوم إسرائيل بإحكام سيطرتها على الأراضي السورية، وعلى منطقة عازلة في لبنان بعمق عشرة كيلومترات، وصولاً إلى السيطرة على المياه الاقتصادية اللبنانية في البحر المتوسط، في مناطق تواجد أحواض الغاز الطبيعي، وهي أيضاً مطامع لشركات تنقيب أمريكية. وقد راهن معهد دراسات الأمن القومي على وجود مصالح سورية في "استعادة" المناطق المذكورة، باعتبارها انتزعت من سوريا خلال الانتداب الفرنسي. واستناداً إلى ذات النظرة، فإن مثل هذه الخطوة تفجّر وحدة لبنان وتدفعه بالضرورة نحو الاقتتال الداخلي، وهي أرضية خصبة للإبقاء على التدخل العسكري.
- تسليم بالاتفاق الأمريكي-الإيراني، ولكن؟
وفقاً لجميع التقديرات الإسرائيلية الأمنية، هناك تسليم في المستوى السياسي باعتبار الاتفاق الأمريكي-الإيراني مفروغاً منه، ويشكك الجيش بإمكانية فصل الملف اللبناني عن سياق هذه التفاهمات، فيما يضغط على الحكومة للقيام بتوفير مخرج سياسي. إذ تفيد تقديرات الجيش بأنه لا يستطيع العمل ميدانياً ضمن رهانات دبلوماسية أمريكية-إيرانية وأطراف إقليمية ودولية أخرى. كما يعترف الجيش، وفقاً لما تم تسريبه لصحيفة "هارتس"، بأن الفجوة كبيرة بين تصريحات نتنياهو وكاتس وبين ما يجري على أرض الواقع، وحقيقة أن المستوى السياسي يعمل تحت سقف الاتفاق الأمريكي-الإيراني، خشية من تصعيد التوتر مع واشنطن في فترة حرجة بالنسبة لنتنياهو ومرتبطة بالانتخابات للكنيست. ويفيد موقف الجيش بأنه لا يقوم بأية عمليات هجومية بمبادرة منه، لكونه لم يتلقَّ تعليمات حكومية خلاف ذلك. وهذا ما يفسر جزئياً تصاعد عدد الإصابات في صفوفه، وبموازاة ذلك زيادة منسوب التوتر مع سياسة الحكومة واعتباراتها.
بناءً عليه، ينظر المستويان الأمني والسياسي ببالغ القلق إلى تعويل ترامب على دور سوري يريده في لبنان، إذ ترى إسرائيل أن سوريا ليست وحدها، بل من ورائها تقف تركيا وقطر، اللتان رفضت حكومة نتنياهو أي دور لهما في غزة وفي القوات الدولية فيها، وفي المقابل السعودية التي كانت تاريخياً عاملاً محورياً في أي ترتيبات في لبنان منذ الحرب الأهلية ولاحقاً اتفاق الطائف مع سوريا. ويركز الجيش على أن التدخل السوري قد يجلب معه إلى الحدود الشمالية مع إسرائيل تنظيمات مثل القاعدة وغيرها.
سياسياً، هناك قرار حالي بعدم الصدام مع واشنطن، وهذا يعزز الانتقادات تجاه حكومة نتنياهو بأنها تخضع فعلياً للشروط الإيرانية كما هي مصاغة في مذكرة التفاهم مع واشنطن التي تربط الملف اللبناني بها. فيما تكثر المؤشرات بأن نتنياهو يقوم بالتزامن بأكثر من مناورة سياسية تضمن، وفقاً له، بقاءه في الحكم، أو على أقل تقدير صد منحى الإدارة الأمريكية التي تبدو معنية بإسقاطه أو بالدفع نحو تنحيه ذاتياً، وذلك وفقاً لتصريحات ترامب المتكررة التي تنال من أهلية نتنياهو أمام ناخبيه.
برأي معلقين ومراقبين أن نتنياهو يولي أهمية قصوى لورقة الصدام مع ترامب، إذا ما اضطر إلى ذلك من أجل معركته الشخصية. وبهذا المفهوم، وبعد أن سقطت الورقتان الأهم انتخابياً بالنسبة له، وهما الملفان الإيراني واللبناني، اللذان راهن عليهما، فإن إخفاقات غزة أيضا ترتد عليه بالقناعة الإسرائيلية بأن إسرائيل باتت في وضع "كارثي" أمنياً وسياسياً وأماناً في أعقاب الحرب الأخيرة في إيران ولبنان. فيما تشكل تصريحات ترامب بالنسبة له الضربة القاضية سياسياً إذا لم يتصدَّ لها.
انعكاس الملف اللبناني على الانتخابات الإسرائيلية:
وفقاً للتقديرات، يعدّ نتنياهو الأجواء كي يقول "لا" لترامب، والملف الأفضل له انتخابياً هو اللبناني، وذلك ضمن مسعى للظهور مجدداً بالرجل القوي الذي يعاند الرئيس الأمريكي نيابة عن إسرائيل. مثل هذا التحول قد يكون في الأشهر القادمة لغاية الانتخابات، بعد أن ضمن وحدة ائتلافه حالياً ليخوض الانتخابات معه ككتلة وحصراً مع الحريديم. ويتم حالياً حل الكنيست بهدف إجراء الانتخابات في أواخر أكتوبر 2026.
المسعى الآخر، والذي ذكرناه في تقديراتنا السابقة، هو احتمالية إعلانه في مرحلة حرجة أمنياً أو سياسياً تأجيل الانتخابات. يرتبط هذا بتصريحاته منذ عامين ولاحقاً بأنه "لا لجنة تحقيق ولا انتخابات في زمن الحرب"، وبأن مشروعه هو "الانتصار". فيما تنشر وسائل الإعلام الإسرائيلية يوم 24 يونيو تصريحات القاضي سولبيرغ، رئيس لجنة الانتخابات المركزية، بأن القانون يجيز إرجاء الانتخابات في ظروف محددة وحصرية أمنية. بذلك يمنح نتنياهو مصادقة قضائية إجرائية للتقدم في خطوته إن أراد، وذلك سعياً لضمان إعادة انتخابه. فعلياً، هذا منوط أيضاً بمدى الضغط الذي يمارسه الرئيس الأمريكي لتنحي نتنياهو. في المقابل، تجري الولايات المتحدة اتصالاتها مع مجمل أطراف الخارطة السياسية الإسرائيلية، إذ تعتبر أن أولويات نتنياهو تتعارض مع مصالح إسرائيل ومع أولويات الإدارة الأمريكية، التي تولي أهمية كبيرة للرباعية العربية الإقليمية – مصر والسعودية وتركيا وباكستان – التي تنسق خطواتها واستراتيجياتها بعيدة الأمد.
- تهجير غزة: مشروع حقيقي أم فقاعة سياسية؟
في خطوة مثيرة من حيث توقيتها ومضمونها، يعود ملف تهجير غزة مجدداً إلى الواجهة، مما يثير التساؤلات حول احتمالية صفقة مقايضة أمريكية-إسرائيلية، أي انسحاب من لبنان مقابل تهجير غزة. غير أن هذا الخيار مستبعد تماماً، حيث يصطدم بالجهود المصرية الحثيثة والتوجهات العربية والدولية، كما قد يؤدي إلى تقويض الاتفاق الإيراني-الأمريكي الذي يتحدث عن تهدئة إقليمية. لكن إثارة الموضوع تأتي أيضاً في أعقاب زيارة "رئيس أرض الصومال" إلى إسرائيل وعقد رزمة من الاتفاقات، حيث كانت أرض الصومال مطروحة كأولوية في تهجير الفلسطينيين إليها، ما لم تطرح دولياً وعربياً قضية فلسطين وإدراجها في الحلول الإقليمية بتفاهم مع واشنطن والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا. وسياسياً، فإن إعادة ملف التهجير إلى جدول الأعمال إنما يؤكد النوايا الحقيقية لشطب قضية فلسطين، وداخلياً يشكل مواصلة لحالة الحرب التي يريدها نتنياهو، رافعةً لمساعيه في تأجيل الانتخابات والبقاء في الحكم.
في الخلاصة:
يتسع نطاق التسليم الإسرائيلي بأن لا مناص من الانسحاب من المناطق اللبنانية التي تسيطر عليها، حيث البديل هو الصدام مع أولويات واشنطن الحقيقية ودورها الإقليمي. فيما ليس من الواضح بعد مدى استعداد إسرائيل للانسحاب وإلى أية نقطة، ولا مدى قدرتها على مواجهة استحقاقات مفاوضات واشنطن مع لبنان، أو استحقاقات الاتفاق الأمريكي-الإيراني. وعليه، فمن غير المستبعد أن يتم الاتفاق على إطار يشمل جدولة الانسحاب إلى الحدود الدولية، لكن ليس آنياً، وبشروط تتيح المجال للمناورة فيها.
تسعى إسرائيل للإبقاء على سوريا ضعيفة وهشة، وتريد للنظام الجديد أن يحكم فقط للداخل السوري ويحافظ على مصالحها ومناطق نفوذها، بينما لا تريده أن يلعب في لبنان أي دور بتفويض أمريكي، بل كما ترتأي إسرائيل في محاربة حزب الله من داخل سوريا ومن الشمال اللبناني وليس من جنوبه.
تخشى إسرائيل أي نفوذ تركي أو قطري في لبنان تحت المظلة الأمريكية، كما لا تريد لتركيا أن تحظى بأي نفوذ في مختلف الجبهات، وحصراً لبنان وغزة. فيما يقلق إسرائيل تزايد اعتماد ترامب على الدور التركي. وتخشى إسرائيل تراجع وزنها وأثرها في القرارات الإقليمية والدولية ذات الصلة، وتنكشف إلى تعالي دور الفاعلين الإقليميين المناوئين لسياساتها وأثرهم على واشنطن.
بخلاف القناعات الإسرائيلية الواسعة، لا يزال نتنياهو يسعى إلى تقويض اتفاقية الإطار الإيرانية-الأمريكية من خلال الملف اللبناني، أو أنه يريد خلق انطباع كهذا. غير أنه يعد لخطط بديلة في حال تعثرت سياسته، يكون هدفه فيها التصدي للضغوطات الأمريكية نحو إنهاء حكمه، بما في ذلك افتعال صدام مع ترامب يعيد له الهيبة والأهلية المتآكلة.
نوايا نتنياهو بتأجيل انتخابات الكنيست بعد حله، هي دليل خيار استراتيجي يخدم غايته الأولى، وهي البقاء في الحكم الذي يرى فيه مفتاحاً لضمان بقاء إسرائيل، كما صرح في مءتمره الصحفي بعد الاتفاق الأمريكي-الإيراني.