
















اهلا
حين يجيء الخريفُ تسكن الريح حينًا
ثمّ تمضي على مهلٍ بين أغصان الشجر
وتتبدّل ألوان الأوراق ورقة إثرَ ورقة
وتخلعُ الأشجارُ ثوبَ الخضرة رويدًا رويدًا
كأنّ لها في الرحيلِ حكايةْ
وفي الصمت سرًّا وفي الانتظار حياة
وتسقطُ الأوراقُ لا خائفاتٍ ولا نادماتٍ
لأنَّ الفصولَ تعرفُ متى تنتهي الأشياءْ
وأمشي أنا بين ظلّي وظلّي أفتّشُ في العمرِ عمّا تبقّى
فأجدُ الذي كنتُ أخشاهُ يومًا غبارًا على عتباتِ المسافة
وما عاد يؤلمني أن تفوتَ يدٌ أو يغيبَ وجهٌ
أو ينطفئَ الطريقُ الذي كنتُ أظنُّ بأنّ نهايتهُ آخرُ الحكايةْ
فكم من رحيلٍ فتحنا به نافذةْ
وكم من خسارةٍ أورثتنا حكمةْ
وكم من انحناءِ غصنٍ كان لنا النجاةْ
تعلمتُ من الشجرْ أنَّ تناثر الأوراقِ ليس انكسارًا
وأنَّ الذي يفقدُ ظلّهُ لا يفقدُ جذورهُ في الترابْ
وأنَّ العزّة ليس بأن نبقى كما شاءَ لنا الآخرون
ولكنْ بأن نعرفَ ما الذي يستحقُّ البقاءْ
وما الذي آنَ لهُ أن يمضي مع الريحِ دونَ عتابْ
يا خريفَ العمرِ تمهّلْ قليلًا...
ففي القلبِ أشياءُ لم تُقَلْ بعدُ...
وفي الروحِ أغنيةٌ لم تجدْ بعدُ صوتًا يليقُ بها.
ولكنّي لستُ حزينةْ فقد صار في داخلي من الهدوءِ ما يكفي لأفهمَ أنَّ الحياةَ لا تعيدُ لنا ما مضى
بل تمنحُنا عينًا جديدةً لنرى بها ما بقي
خذْ ما تشاءُ من الأوراقِ يا خريفُ
واتركْ لي الجذعَ يواجهُ ريحَ المساءِ
فأنا لم أعد أخشى فصولي القديمةْ
ولا أطلبُ من الربيعِ أن يأتيَ مسرعًا
يكفيني أنني حين أنظرُ خلفي لا أندمُ على الطريقْ
وحين أنظرُ أمامي لا أرتجفُ من المجهولْ
لقد عرفتُ أخيرًا أنَّ بعضَ الأشياءِ لا تسقطُ منّا إلا لكي نتخفّفْ
وأنَّ بعضَ الأبوابِ لا تُغلقُ إلا لكي نرى بابًا آخرَ كان مختبئًا في جدارِ الحياةْ.
فإن مرّ خريفٌ جديدٌ على القلبِ لن أغلقَ نافذتي
سأتركُ للريحِ أن تحملَ ما انتهى وللمطرِ أن يغسلَ ما بقيَ من أثرْ
وسأجلسُ تحتَ شجرةٍ تعرفُ سرَّ الفصول وأقولُ:
ليسَ كلُّ غيابٍ نهاية ولا كلُّ ما يمضي يضيع
فبعضُ الرحيلِ يطهّرُ دربَنا وبعضُ الفقدِ يردُّنا إلى أنفسِنا
وبعضُ الخريفِ يهيّئُ الروحَ لربيعٍ جديدْ...
.