















اهلا *ماذا بعد إسقاط نتنياهو؟*
*رد على بيان الموحدّة*
*||بقلم توفيق نجّار - مختص في القانون والحوكمة*
يبدو للوهلة الأولى أن الخلاف الدائر حول إعادة تشكيل القائمة المشتركة يدور حول السؤال: كيف نسقط حكومة نتنياهو؟
لكن هذا السؤال قديم حبّتين ومحسوم بأمره منذ دهر. لبيد يريد إسقاط نتنياهو. كذلك غولان. أيضًا إيزنكوت. وليبرمان. حتى نفتالي بينت! يريد إسقاطه منذ دهر.
لذلك فإن تحويل إسقاط نتنياهو إلى معيار وحيد للحكم على الخيارات السياسية يحجب السؤال الأعمق حول القضية الأهم: *ماذا سيأتي بعد نتنياهو؟*
هذا هو السؤال المركزي اليوم. أي مشروع سياسي سيولد على أركان إسقاط نتنياهو، ولصالح أيّ ميزان قوى سيشدّه مشروعنا السياسي.
هنا بالضبط يبدأ الخلاف.
فبيان الموحدة الأخير يفترض أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب إجابات عملية لدى بقية الأطراف. وكأن الخلاف يدور بين من يمتلك خطة وبين من يكتفي بالاعتراض.
لكن الواقع مختلف.
الخلاف لا يدور حول ضرورة إسقاط نتنياهو، بل حول طبيعة الشراكة المطلوبة لتحقيق ذلك.
هل المطلوب هو بناء قوة عربية جماعية قادرة على فرض شروطها؟
أم المطلوب إعلان استعداد مسبق لمنح الشرعية لأي بديل، حتى قبل معرفة ما الذي يريد فعله بهذه الشرعية؟
هذا هو الفرق الجوهري.
بين من يرى السياسة فن تفويض بديل لنتنياهو، أقل فجاجة وأشد خبثاً، وبين من يرى السياسة فن تحويل القوة إلى شروط تفرض على اليمين الماكر.
لقد أثبتت العقود الماضية أن التأثير العربي لا يبدأ ولا ينتهي بالمشاركة في الحكومة.
في عام 1992 لعبت الأحزاب العربية دورًا حاسمًا في فتح نافذة سياسية أتت بتأثير سيادي لم يكن ممكنا من دونها دون أن تطبّع تمليك اليمين الاستيطاني رئاسة الحكومة.
وفي عام 2005 استطاع محمد بركة أن يؤثر في واحدة من اللحظات البرلمانية الضاغطة من خلال تصويت حاسم في لجنة برلمانية في قضيّة الانسحاب من قطاع غزّة، ولولا تصويته لما مرّ قرار الانسحاب.
وفي تعديل كامينتس، ظهر أن القوة البرلمانية تستطيع فرض التراجع على اليمين حتى من خارج الحكومة.
بل إن خطة 922 التي جلبتها المشتركة برئاسة أيمن عودة لم تُناط بدخول ائتلاف حكومي يُطبّع مع اليمين الاستيطاني.
عليه، فإن اختزال مفهوم التأثير في تجربة واحدة يضيّق فهم السياسة.
المسألة ليست، هل أثّر العرب أم لم يؤثروا؟
بل، كيف أثّروا؟ وما الثمن؟ وما الحدود؟
دعونا نعود إلى تجربة 2021.
هل أدّت تلك التجربة إلى رفع القدرة الجماعية للعرب؟
أم إلى تفكيكها؟
هل رفعت الوزن السياسي العربي؟
أم نقلت مركز الثقل من العمل الجماعي إلى التفاوض المنفرد؟
هل جعلت تجاهل العرب أكثر كلفة؟
أم جعلت الالتفاف عليهم أسهل؟
هذه ليست أسئلة أخلاقية.
إنها أسئلة استراتيجية.
لأن السياسة لا تُقاس فقط بما يبدو كأنّك قد حقّقته في لحظة معينة، بل بما تتركه من قدرة للمستقبل.
هنالك من يقول اليوم، إذا أردنا إسقاط نتنياهو فعلينا أن نكون مستعدين لتمليك أي حكومة تقرّها الأحزاب الصهيونية المعارضة؛ أي إن ليبرمان وبينت وأيزنكوت ولبيد وغولان، يتّفقون على تحاصص الحقائب السيادية، على استمرار الاحتلال، على توسيع الاستيطان، على مصادرة الأراضي في النقب، ويقرّرون في القضايا الأمنيّة والسيادية الكبرى، بينما تمنحهم القوى العربية صك الموافقة، مقابل بعضٍ من الأمور المفهومة ضمنًا، والتي مكرهين وغصبًا عن رأسهم ودون مقايضة هم ملزمون فيها مقابل كل العالم الحر، كميزانيات التطوير وخطة لمحاربة الجريمة وتعزيز الأمن الشخصي.. والتي جلبتها المشتركة الأولى أيام زيارات دكتور يوسف جبارين إلى الاتحاد الأوروبي واللقاءات بالسفراء وطرح القضية الداخلية في المنصات العالمية لرفع التكلفة.
ولكن القول الفصل هنا هو، إذا كنّا نحن في الجبهة والعربية للتغيير، نريد إسقاط نتنياهو ومثلنا كل الأحزاب المعارضة - فلماذا يصير هذا الأمر بندًا تمنّنا المعارضة فيه؟
إذا كان إيزنكوت يرى ضرورة في استبدال الحكومة الحالية، هذا جيّد، ونتفق معه حول الضرورة الحارقة، لكن ما علاقة هذا بمنحه الشرعية مسبقًا، دون أن تُناط بشروط صارمة؟
السياسة ليست هبة.
ولا التوصية منحة.
ولا يشكّل الدعم التزامًا أخلاقيًا! ولا هو ضربة لازم لأحدٍ على أحد.
بل إن السياسة في مفهومها هذا، تشكّل أدوات تفاوض. والتوصية والدعم يشكّلان فرصة لفرض أجندة، أمّا استمرار الدعم فيشكّل كابحًا للمساءلة بعد قيام الحكومة.
فذلك الذي يطلب التوصية والدعم عليه أن يدفع ثمنهما السياسي.
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال إذا الإقدام كان لهم ركابا
منطق التوصية والدعم المسبق بالصيغة التي تضعها الموحدة يفترض علاقة غير متكافئة منذ البداية.
وهذا التوجّه إمّا نابع عن غباء! وإمّا عن انبطاح والعياذ بالله.
فهل يقبل بينت أن يكون أيمن عودة رئيسًا للحكومة؟
هل يقبل ليبرمان أن يكون أحمد الطيبي وزيرًا للخارجية؟
هل يقبلني لبيد وزيرًا للقضاء أو وزيراً للدفاع؟ فإنّي كفء أكثر وبما لا يقاس من ردّاح بينت إيّاه. وحكومة برئاسة أيمن حتمًا ستجلب أمنًا وسوف تنهي الاحتلال وسوف تزدهر البلاد معها. وشرفٌ لهم أن يمثّلهم أبو الكامل أمام العالم.
لكن رفضهم، سياسي سيادي، نابع عن انطواء في المعادلة الصهيونية الضيّقة.
قُل لي يا منصور عبّاس، هل يقبل أي من هؤلاء أن تنتقل القيادة السياسية والملفات السيادية إلى الجبهة؟
طبعًا لا.
إذًا لماذا يُطلب من العرب وحدهم أن يعلنوا مسبقًا استعدادهم لمنح الشرعية لقيادة لا تعترف أصلًا بمبدأ التكافؤ؟
الحل ليس الانغلاق.
وليس رفض الشراكات.
وليس الاكتفاء بالشعارات.
على العكس.
الحل هو بناء شراكة. لكن الدعم دون شروط لا شراكة بل انبطاح.
عليه يا منصور عبّاس. الشراكة الحقيقية تبدأ بأن تعرف ماذا تريد قبل أن تحدّد مع من ستجلس.
الشراكة الحقيقية تجعل الدعم العربي نتيجة لاتفاق سياسي واضح، لا شرطًا للتداول فيه.
عليه نقول بوضوح، كما قلنا على الدوام:
نعم لإسقاط حكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش.
نعم للتنسيق مع قوى يهودية معارضة.
نعم للبحث عن أكثرية بديلة.
لكن لا لرئاسة حكومة من اليمين الاستيطاني بتفويض عربي مسبق.
ولا لدعم مجاني.
ولا لتحويل الصوت العربي إلى جسر يعبر عليه الآخرون نحو السلطة، ليعيد بواسطته اليمين ترتيب أوراقه.
المشكلة ليست أن بعض القوى العربية لا تعرف ماذا تريد. بل نعرف.
المشكلة أن بعض القوى باتت تتحدث كما لو أن امتلاك إجابة جاهزة أهم من طرح السؤال الصحيح.
والسؤال الصحيح اليوم ليس:
كيف نسقط نتنياهو؟ فهو حتما ساقط
بل:
كيف نمنع أن يتحول إسقاطه إلى إعادة إنتاج المنظومة نفسها بوجه جديد؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن تبدأ منه أي مشتركة حقيقية.
وهو أيضًا السؤال الذي سيحدد إن كانت الوحدة القادمة ستبني قوة عربية أكبر، أم ستكرر الحلقة ذاتها مرة أخرى.